مقالات هتعجبك

حروب الهوية العربية: ٦- القسطنطينية تحتل مكة والمدينة

من هم #العثمانيون في الحقيقة، وكيف ننظر إلى الإمبراطورية العثمانية من حيث صراع الهوية؟ هل كانوا مسلمين فتحوا القسطنطينية، أم روم احتلوا البلاد الإسلامية؟

في الحلقات السابقة من حروب الهوية العربية

كوننا بعيدين عن التاريخ كما حدث، فإن رؤيتنا له تتحدد بما يمرر إلينا من معلومات. مقطرا منقى في نظر من مرروا المعلومة، منقوصا خاليا من الدسم في نظرنا إن اهتممنا بأن نعرف ما حدث.

حين غزا العرب مستعمرات الروم في الشام وشمال إفريقيا بعد قرون من النظام السياسي الروماني، كانت هناك بلا شك مصالح قائمة ومستقرة في هذه البلاد. ليس على مستوى قيادتها السياسية فقط، هذا ما تهتم به الكتب، لكن فكر أيضا في ضياعها وبلداتها البعيدة، في علاقات القربى والنسب والتنظيم الاجتماعي القائم. تغيير هذه المصالح الاجتماعية أصعب من تغيير القيادة السياسية العليا.

حين نتخيل هذا سيتكون لدينا تفسير مبدئي عن أسباب وتبعات نقل علي بن أبي طالب العاصمة إلى الكوفة (بين المدائن عاصمة الفرس والحيرة عاصمة حلفائهم المناذرة)، وأسباب وتبعات اختيار معاوية دمشق عاصمة، وهي من مستعمرات الروم السابقة.

سيكون لدينا تفسير مبدئي لماذا استمر التشيع في بلاد فارس وبلاد حلفائها، بينما التسنن في مستعمرات الروم السابقة.

وهنا أيضا نجمع معا ما ورد بالإشارة في مقالات سابقة: العرب احتلوا بلاد فارس حتى عقلها. لكنهم في دولة الروم احتلوا الأطراف، مساحة كبيرة جدا من جسد الإمبراطورية، نعم، لكن العقل ظل متحصنا في القسطنطينية.

وبالتالي كان التداخل الفارسي في الحضارة الإسلامية على كافة المستويات، العسكرية والسياسية والنخبوية الثقافية. وذلك منذ السنوات الأولى، والإمبراطورية الإسلامية لا تزال صلصالا طريا يتشكل، توجها وأحكاما وثقافة ونظاما سياسيا. فاستطاعوا أن يحركوه سياسيا باتجاه التشيع، باتجاه بقاء الحكم، والعصمة الدينية، في نسل مضمون الولاء، هو نسل حليفهم الحسين بن علي، الذي تزوج شهربانو شاه زنان بنت كسرى يزدرجرد، آخر ملوكهم.

أما التداخل الرومي (التركي) على مستوى النفوذ السياسي فجاء متأخرا. بعد قرون من الصراع بين العرب والفرس. وفي الأغلب نتيجة لهذا الصراع. حيث أراد الخليفة المعتصم، الرومي الأم، أن يتجاوز الصراع العربي الفارسي فقرر الاعتماد على الجنود الأتراك، ومعظمهم من ”الرقيق الأبيض“ – المماليك.

أذلة أعزهم الإسلامعلى حساب من؟

كان العنصر الرومي مجلوبا من آسيا الصغرى، وليس من نخبة الروم اليونانية الثقافة واللغة. دخل إلى معترك السياسة العليا وقد أعلن الفرس بالفعل التحدي للعرب على مستوى القيادة، فلم يعد الصراع مستحييا متواريا كما كان.

هذا الجزء من الروم الذي نشير إليه كان أقرب إلى الثقافة الفارسية منه إلى العربية، بحكم الموقع الجغرافي في آسيا الصغرى (الجزء الآسيوي من تركيا) وفي آسيا الوسطى. لم يكن هذا القطاع من دولة الروم يتحدث بيونانية النخبة السائدة في القسطنطينية. بل يتحدث بلغة قبائل رعوية فيها كثير من الألفاظ الفارسية، ولا تنتج أدبا معروفا.

نشأ الطموح الرومي بالتالي معتمدا هو نفسه على الفرس ثقافيا، ووضح ذلك في أولى دول الروم الإسلامية الكبرى، الدولة السلجوقية. في ذلك التوقيت، القرن الأول بعد الألفية الميلادية الأولى، انتشرت مقولة ”تركي بلا فارسي، كقبعة بلا رأس“. استطاعت هذه الدولة أن تسقط الدولة البويهية الشيعية في إيران، ثم زحفت على بغداد. يهمنا في هذه الدولة أنها انتزعت جزء كبيرا من دولة الروم البيزنطية في الأناضول وأرمينيا، فمهدوا بذلك لسلالة أخرى من الروم المسلمين، السلالة العثمانية بأن يكملوا ما بدأوه.

يجب أن نتوقف هنا لنقول إنه منذ زمن المعتصم صعودا، أي لحوالي ١٠٠٠ عام من عمر التاريخ الإسلامي، كان الغالبية الساحقة من المسلمين إما في حماية الروم المسلمين كجند عسكريين أو تحت قيادتهم المباشرة. لا ننوي الاستطراد في التاريخ، لكننا حين نتحدث عن الهوية الرومية في الإسلام فلا بد أن نتذكر المماليك.

إلى أي حد أثر ذلك في الإسلام، وفي شكل الحياة في ظل الحكم الإسلامي. لا بد أن نتوقف عن الاعتقاد المضلل بأن التاريخ الإسلامي عبارة تصلح لوصف ألف وخمسمئة عام، أو أنه تمثيل لما يتلوه رجال الدين من ”صورة المجتمع الإسلامي“ المفترضة. وسنمر معا في السطور القادمة على مثال بسيط جدا، لكنه معبر.

محمد قيصر الروم يحكم بلاد المسلمين 

خطوة خطوة، يتزايد النفوذ الجغرافي للروم المسلمين. لكن أحدا منهم لم يفعل ما فعله محمد الفاتح من سلالة بني عثمان. هذا استولى على القسطنطينية، تلك الحاضرة الزاهرة، الساحرة، التي عاشت بعد روما العظيمة ألف سنة كاملة، ويقال إنها حوت يوما ما ثلثي ثروات العالم. ليس هذا مجرد توسع عسكري. بل استيلاء على إمبراطورية هي الأشهر في التاريخ المعروف حتى وقتها. كان محمد الفاتح مبهورا بالإسكندر المقدوني، يأمر بأن تقرأ عليه سيرته يوميا، ويأمر بأن تُكتب سيرته هو على نفس نوع الورق وبين دفتي نفس نوع الغلاف.

لم يكن محمد الفاتح يرى الاستيلاء على القسطنطينية كما نراه الآن. لم يكن يضم حاضرة كبرى إلى إمبراطورية الإسلام. لا. كان يستولي

Gennadios_II_and_Mehmed_II.jpg

محمد قيصر الروم وجيناديوس الثاني (موزايك من القرن ٢٠)

 على عرش إمبراطورية الروم القائمة. ليصير هو قيصرها. هذا ما كان يهمه في المقام الأول. لذلك سمى نفسه ”محمد قيصر الروم“. الموضوع ببساطة أنه يرى نفسه في صورة الملك قنسطنطين الذي غير الديانة الرسمية للإمبراطورية من الدين الروماني القديم إلى المسيحية. هو الآن يحول دين الإمبراطورية من المسيحية إلى الإسلام. (شاهد الفيديو المرافق للمقال)

 

الكنيسة الشرقية الأرثوذوكسية اعترفت بهذا، على لسان البطرك جيناديوس الثاني، الذي نصبه محمد الفاتح بنفسه بطركا للقسطنطينية.

بل واستخدم محمد – قيصر الروم – نفس الشعار الذي استخدمته دولة الروم البيزنطيين، الهلال والنجمة، الشعار الذي كان مطبوعا على عملاتها، ومستخدمها في أعلامها. الهلال مستوحى من رمز الإلهة الرومانية العذراء ديانا وسابقتها الإغريقية أرتيميس، التي كان معبدها في إيفيسوس (سلجوق) التركية من عجائب الدنيا السبع. أما النجمة فأضافته الإمبراطورية بعد تحولها إلى المسيحية، كإشارة إلى السيدة العذراء مريم.

bw508b8330.jpg

شعار دولة الروم البيزنطية الآخر، النسر ذو الرأسين، رفعته الإمبراطورية المنافسة للعثمانيين على عرش الروم، وهي القيصرية الروسية. (قصة المنافسة على الوريث الشرعي لإمبراطورية الروم البيزنطيين قصة شيقة لمن أراد التوسع فيها).

ما يهمنا أن الروم المسلمين، العثمانيين، رفعوا هذا العلم واستعادوا به أرض بيزنطة القديمة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، رغم أن هذه الدول كانت محكومة فعلا بمسلمين. لم تفرق سيوفهم بين مسلمي آسيا وشمال إفريقيا وبين مسيحيي شرق أوروبا. ولا عصم إسلام ”طومان باي“ صاحبه من الإعدام على باب زويلة. كما أنه استولوا على الحجاز. لو قيل لحجازي زمن النبي محمد إن رجلا روميا، عاصمته القسطنطينية، سيفتح الله عليه مكة والمدينة، لكان الأمر عجيبا .. عجيبا جدا.

شعار الروم البيزنطيين، الهلال والنجمة، سيرفع بعد ذلك في أعلام الدول، وفوق المآذن. يظنه المسلمون شعارا إسلاميا، وهو لم يكن أكثر من شعار رومي بيزنطي.

ويستمر صراع الهويات

بعد هذا ”الفتح العظيم“ بحوالي نصف قرن كان الروم العثمانيون لا يزالون مشغولين بالتأثير الثقافي الفارسي. لا يزالون يتساءلون هل لغتهم أفضل أم لغة الفرس. في عام ١٤٩٩ أصدر أحد كبار المثقفين الأتراك، علي شير نوائي، كتابا بعنوان ”محاكمة اللغتين“، يجادل فيه بأن اللغة التركية أفضل من الفارسية، هذه وجهة نظره، لكن الحقيقة الإحصائية أن ثلثي الكتاب كان ألفاظا فارسية. وأن صراع اللغة التركية الثقافي المزيد لكي تجلس التركية العثمانية على العرش، وتستطيع أن تملأه. حين أسقوطوا اليونانية بعد الاستيلاء مباشرة حلت الفارسية لغة في البلاط.

العثمانيون نجحوا رغم ذلك، أي رغم تفوق اللغة الفارسية، ورغم أسبقية الفرس وسبقهم إلى الإسلام، في إنجاز ما لم ينجح فيه الفرس أبدا، وهو بسط السيطرة على العالم الإسلامي، في رفع الهلال والنجمة البيزنطية على مساجد الإسلام. فكيف هذا؟

أعتقد أن السبب بسيط جدا. التشيع السياسي الفارسي في الحقيقة صورة متخلفة للغاية من علاقة الدين والدولة، تشتمل على الجمع بين الحُكم والعصمة الدينية في شخص الإمام أو الولي الفقيه. تلك صورة لفظها اليهود أنفسهم بعد وفاة موسى وطالبوا بملك دنيوي. ولفظتها المسيحية منذ البداية بالتفرقة بين ما لقيصر وما لله. لم يكن الحكم الإسلامي السني أكثر من حكم سلطوي. نعم. لكنه حفرة إن قورن بدحديرة التشيع السياسي. كما أنه – في وقته – كان سلو العالم، الشائع فيه. أما الحكم الديني الخالص الذي روج له التشيع فهو متخلف حتى بمقاييس تلك الأيام.

والأنكى من ذلك أن التشيع الذي بدأ بولاء سياسي، تحول عبر العصور إلى عقيدة دينية. فصار مطلوبا من الدول إن خضعت لحكم الشيعة أن تغير عقيدة الناس أيضا، وليس فقط نظمهم السياسية.

نجح الروم العثمانيون المسلمون في حكم العالم الإسلامي بنظام سياسي كان ممارساته نكبة على العالم الإسلامي، وعلى شرق أوروبا. نظام مركزي لم ير أبعد من القسطنطينية (الأستانة/إسطنبول)، شرب عصارة مهارات الشعوب لكي يطيل عمره.

لقد كان هذا مقدمة إلى يقظة الهويات في مواجهته. الهوية العربية في الجزيرة، والهوية المصرية في مصر، وغير ذلك.

لكن التاريخ لا يسير بهذه البساطة. سيكون على تلك الهويات أن تخوض صراعات في ما بينها أيضا. صراعات لا تزال في نطاق حروب الهوية العربية. لكنها مختلفة عن سابقاتها هذه المرة.

إلى المقال القادم.

About khaledalberry (93 Articles)

إعلامي عمل في بي بي سي ١٢ سنة، راديو وتليفزيون وديجيتال ميديا bbcarabic.com
. راسل صحفيا من ١٣ دولة. كان مديرا مناوبا لمكتب بي بي سي عربي في العراق بعد حرب العراق.
. راسل بي بي سي من حيفا وجنوب لبنان في حرب تموز /يوليو ٢٠٠٦
.شارك في تأسيس دوت مصر ورأس تحريرها
. أصدر أربعة كتب هي الدنيا أجمل من الجنة، ونيجاتيف ورقصة شرقية (القائمة القصيرة للبوكر العربية) والعهد الجديد. له كتابان قيد النشر هما “الأمية المقدسة” و “انفصام شخصية مصر”.
. حاصل على بكالوريوس الطب والجراحة من كلية الطب جامعة القاهرة

أهلا وسهلا برأيك

%d bloggers like this: