مقالات هتعجبك

هل الأرض أرض الله؟ هل المال مال الله؟ أول سؤالين في العلاقة بين الدين والدولة

السياسة مبنية على قيم المجتمع، ما يعتقد فيه. وقد تطورت حين أدركت مجتمعات الفارق بين الاعتقاد الإيماني والمعنى السياسي. الإصلاح الديني. فأين مجتمعاتنا من هذا؟

إن كنت من فريق الأغلبية الكاسحة، التي سترد مباشرة بأن المال مال الله، وكذلك الأرض، وما نملك من ملابس وعقارات وأحذية وأرصدة. فمن المناسب أن نعرف أن هذا لم يكن الرأي الغالب في تسمية بيت المال. أراد الخليفة تسميته بيت مال الله، واعترض من حوله. ينسب البعض القصة إلى الخليفة عثمان بن عفان، وينسبها بعضهم إلى الخليفة معاوية بن أبي سفيان.

لماذا؟ إن قلت إنها ملك لله فمعنى هذا أن يتصرف فيها الحاكم كما يشاء، وحسابه على الله. يستطيع أن يصادر ممتلكاتك (ممتلكات الله التي بحوزتك)، يستطيع أن يتصرف في الملك العام (ملك الله الذي بحوزته) كما يشاء بلا حسيب. أما إن قلت إنها أموال الناس فمعناه أن الحاكم محاسب أمام الناس على كل شاردة وواردة فيه.

طيب. تعالي ننظر إلى الموضوع من زاوية أخرى. لو أن المال مال الله، وبالتالي مال الدولة التي ترتكز على هذه المقولة، فهذا يعني أيضا أن الفاقة، والديون، والعوز، حسابها على الله، وعلى الدولة.

هل يذكركم هذا بنوع معين من الدول؟ ونوع معين من الإجراءات الاقتصادية؟

٢

الموضوع ليس ضربا من السفسطة. هذه الفكرة البسيطة إحدى أكثر الأفكار التي أثرت في العالم سياسيا، على مدى قرون وقرون. وسأضرب أمثلة بسيطة:

أولا: اليهود سكنوا أرض فلسطين، وأسكنوها لمن يريدون، لأنها أرض الله التي أعطاها لهم.

ثانيا: موجات من المقاتلين المسلمين، دولة بعد دولة، غزوا أرض مصر، وغيرها من الدول، حتى الجزيرة العربية نفسها لم تسلم من هذه الموجات المتلاحقة من الغزوات باسم الله.

ثالثا: المسيحيون احتلوا أمريكا اللاتينية، وهدموا حضارات ودولا قائمة، بنفس الادعاء. أن الحضارات التي هناك لم تستجب لكلمة الله، وبالتالي لا تستحق “ملكه”.

فنحن هنا إذن نتحدث عن المعنى السياسي لعبارة “الأرض أرض الله” و “المال مال الله” وليس عن المعنى الديني.

٣

أستطيع أن أستمر في الأمثلة إلى ما لا نهاية، لكن النقطة المهمة هنا أننا انتقلنا من عهد الحق الديني الذي يرسم سياسة الدول، إلى ما يعرف بـ “دولة المواطنين”. فهل انتقلنا فعلا إلى دولة المواطنين؟

أبدا. بسبب الفشل في الإجابة السياسية على نفس السؤالين. وبسبب الخلط بين القيم الدينية والقيم السياسية. القيم الدينية نفسها تستخدم سياسيا – حتى في دول “تقدمية” – لكي تبرر التفرقة بين المواطنين على أساس دينهم، أو لكي تبرر استحواذها على المال. واعتداءها على الملكية الخاصة. نظن أحيانا أن الدولة التي لا ترفع شعار الدين ليست دولة دينية. لكن الحقيقة أن كل دولة لم تجر في مجتمعها إصلاحات دينية ظلت تحكم بنفس القيم. أن البشر، المواطنين، لا يملكون الأرض، ولا يملكون المال. والمفارقة أنها لجأت في بعض الأحيان إلى قيم ألبستها للدين إلباسا، لتحقيق غرض سياسي.

العقيدة الاجتماعية ليست الدين. الدين جزء منها. العقيدة الاجتماعية هي مجموعة الأعراف والتقاليد والقيم التي يتخذها المجتمع دينا.

٣

مثل تلك المقولة التي تمر مرور الكرام، وتبدو حسنة ومقبولة ولا ضرر منها، تتسبب في اضطراب كبير. لأنها، بتعمد، تقدم وكأنها مجردة من الدلالات السياسية. لكن الحقيقة أن هذا الأثر السياسي المادي الخفي هو الغرض الوحيد منها في السياسة. كما انتبه الصحابة إلى ذلك.

والفكرة مشروحة أكثر في الفيديو المرفق. والمناقشة مفتوحة لمن لديه تعليق عليه.

About khaledalberry (93 Articles)

إعلامي عمل في بي بي سي ١٢ سنة، راديو وتليفزيون وديجيتال ميديا bbcarabic.com
. راسل صحفيا من ١٣ دولة. كان مديرا مناوبا لمكتب بي بي سي عربي في العراق بعد حرب العراق.
. راسل بي بي سي من حيفا وجنوب لبنان في حرب تموز /يوليو ٢٠٠٦
.شارك في تأسيس دوت مصر ورأس تحريرها
. أصدر أربعة كتب هي الدنيا أجمل من الجنة، ونيجاتيف ورقصة شرقية (القائمة القصيرة للبوكر العربية) والعهد الجديد. له كتابان قيد النشر هما “الأمية المقدسة” و “انفصام شخصية مصر”.
. حاصل على بكالوريوس الطب والجراحة من كلية الطب جامعة القاهرة

1 Comment on هل الأرض أرض الله؟ هل المال مال الله؟ أول سؤالين في العلاقة بين الدين والدولة

  1. لأن الاغلبيه الكاسحه قرأوا قول الله عز وجل { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( ١٠٩ ) [سورة آل عمران]
    وقالت العرب ان لا مشاحه في المسميات دام ان المعنى والجوهر معلوم .وايضاً تستطيع ان تقول ان الملك ملك الله واودعه عندك للاستفاده منه وايضا التصرف به بما يرضي المالك الحقيقي وان تطيعه فيما امرك فيه وله ان يحاسبك اذا خالفته وان تصرف المالك الحقيقي وهو الله سبحانه فاليه ترجع الامور سبحانه ولا تعارض في ذلك عند العقلاء
    و اراك تخلط وتلتبس عليك الامور وتحجم الامور بغير احجامها ؟
    فما وزن مال الله جل جلاله بمال الدوله وهذا استنتاج اذا سلمنا لك جدلا بان المال مال المخلوقين فما الدوله الا فئه من الناس لها مهمات لعامه الناس وكل دوله خادمه لشعبها وان كان تاثيرها عالي ومشاهد مثل المسنات الدوائيه صغيرها في حجمها كبيره في مفعولها
    ثم ان سلمت ابنك سياره لاستخدامها رغم ان ملكيتها لك حقيقة وقلت له عليك مصاريفها والتزاماتها فمن الذي سيدفع قيمة المصاريف اليس ابنك لانها مودعه عنده ويستخدمها ؟
    وبالله عليك ما القيم السياسية الا جزء بسيط من القيم الدينيه العظيمه مثال للتوضيح مثلا كمقارنة طب العيون بالطب عامه بجوامعه وفروعه فما القيم السياسيه الا قيم مستمده من الشرع الكريم ومن سنة محمد ﷺ فالشرع اعم واوسع من ان يحد يقيم سياسيه محدوده او بفرعيات اداريه
    ولا اريد ان اكثر التعليقات فهناك تعليق عام جامع لي ولك وارجو ان لا تؤخذ بشخصيه او سلبيه وهي ان نتعلم قبل ان نتكلم
    كان بودي ان تبحث في هذه المسائل قبل ان تكتب عنها هي واخواتها من المقالات
    وشكرا

أهلا وسهلا برأيك

%d bloggers like this: