مقالات هتعجبك

بخصوص السعادة، والشعب السعيد

#لبنان في الواقع يختلف عنه في أغاني #فيروز. لكنه رغم ذلك لا يستطيع أن يستغني عنها، وإلا انكشفت اللعبة، واشتغل العقل. ولم يجد #حزب الله وظيفة

رحلة تكذيب الحواس: المقال الثاني

هنا تجد المقال الأول

١

الجيل الذي عاصر لبنان في الخمسينيات والستينيات يقولون إنه كان أفضل، يعتمدون في هذا على المنطق البسيط الذي يستخدمه أي إنسان عادي. بلد تحب أن تعيش فيه، إن قارناه بالبلد الذي صار إليه في السبعينيات والثمانينيات، وحتى الآن.

لكن هل يتفق الجميع على هذا؟

لا. إن عددا غير قليل يرى أن لبنان الأجمل هو لبنان الحرب، وشارع الفكهاني. لبنان الغضب.

ما هو لبنان هذا؟ إنه ببساطة لبنان الذي يؤدي وظيفة أعلى وأسمى من أن يكون مجرد بلد، مثل غيره،  تعيش فيه سعيدا آمنا مبتهجا. لك أن تسميه لبنان المقاومة. الفلسطينية ثم الحزب إلهية. بلد يُسخَّر لرسالة أكبر من ”الواقع اليومي“، أكبر من أن تتوفر فيه مدرسة جيدة، ووظائف، واستقرار، وإنتاج ثقافي. وغير ذلك من الأمور ”العادية“.

لبنان الفكرة الموجودة القابعة في عقل ياسر عرفات، أو كمال جنبلاط، أو حسن نصر الله، الفكرة التي لا بد أن تقهر الأمر الواقع بأن تنسفه، إذ لا يمكن لها – في الواقع – أن تحدث. هناك عوامل أصلية في المعادلة – كتوازن الردع الطائفي – لن تسمح لها.

٢

في منشأ حزب الله، كان المحازبون يكتبون على جدران البنايات الآية القرآنية: ”وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول فدمرناها تدميرا.“

المعنى السياسي الذي أراد حزب الله ترويجه من الآية، هو نفس المعنى السياسي الذي أراد اليسار الثوري ترويجه من مطلع أغنية مشروع ليلى، قوم نحرق هالمدينة ونعمر واحدة أشرف.

لكن المدينة حين تحترق تستحيل خرابا، يُثير أسئلة مثل “شو صاير ببلد العيد” والبهجة؟ ما لها؟ مزروعة على الداير نار وبواريد؟ حرائق وانفجارات؟ يكتشف الناس أن الخراب ليس أمرا سهلا، ولا ممتعا، كما قد يوحي شعراء وأدباء جالسون على المقاهي في القاهرة أو بغداد أو الكويت أو تونس. لا بد هنا من تعزية رومانسية تصبر أهل “الفكرة”، وتبيع الأمل لأهل الحياة اليومية الذين كفروا بالحاضر كله، فتبشرهم بمستقبل عظيم، وعمر جديد. ”قلت لهم بلدنا عم تَخَلَّق جديد. لبنان الكرامة والشعب العنيد.“ وليس بأي صوت، بل بصوت فيروز، وموسيقى الرحباني.

ولا بأس طبعا من بعض أساطير قديمة عن طائر الفينيئ، الذي يعود إلى الحياة، ولكن ليس الآن، بعد الفناء، بشوية صغيرين.

٣

ماذا يجمع الجماعة الدينية، بالصورة الفنية (حسنة النية)، بالمقولة الثورية؟

إنها نفس الفكرة. الاعتقاد أن الأفضل هو تدمير الحاضر لكي نبني المدينة الأشرف، التي لم يفسق فيها مترفوها، النقية كمولود جديد بلا خطايا.

عقلية لم نر منها سوى الجزء الأول. التدمير. ولم نعش لنرى الجزء الثاني أبدا.

كان حريا بعقلية التدمير هذه أن تنقرض، بعد كل ما رأته البلد من خراب، لولا أجيال يهمها أن تحافظ على صورة ماضيها أكثر ما يهمها مستقبل أبنائها. يهمهم صورتهم في المرآة، أكثر من واقع أبنائهم في الحياة.

هذه الأجيال وقد صارت كتابا وقادة، تصر على النظرة الأفلاطونية، وتريد أن تبيع لجيل بعدها نفس النظرة الأفيونية المدمرة.

إنهم – في الحقيقة – يتركون “عقد ملكية” الأرض التي وعدوا، واستحقوا، لجيل الأبناء. وإلا، من سيبني المدينة الفاضلة؟

٤

رغم أن العنوان هو بناء المدينة الفاضلة، والبلد الحر، بمختلف مسمياته. فإننا لا نزال حتى الآن – كما تعلمون جميعا – في مرحلة القضاء على الفاسدين الذين بنوا المدينة السابقة. والفاسدون هم كل من سوى الفرقة الناجية ونسلها الفكري الطيب الذي تدعوه إلى زيادته. إذ من دونهم سيكون التدمير بلا طائل. لا بد أن يبقى عباد لله صالحون يرثون الأرض.

ومرة أخرى. ليس هذا مفهوما دينيا سياسيا كحسب، كما قد يبدو، هذا مفهوم فكري أفلاطوني في السياسة. لكنه عند أرسطو مناقض لمفهوم السياسة الرشيدة.هذا مفهوم قادم من عصر “الجلادياتور” والمصارعة المميتة، ولا ينتمي إلى عصر المنافسة الرياضية كما تطور إليها المجتمع البشري.

الجماعة الدينية تتهم المترفين بالفسوق لكي يحق عليها الوعد الإلهي، لكن الجماعة الثورية تستبدل بـ “المترفين” تعبيرات مثل “البرجوازية المتعفنة”، أما الفسوق فتستبدل به “الفساد”. تحب الجماعة الثورية أن تبدو عصرية في ألفاظها. تحب أن تؤكد لنا أنها ليست جماعة دينية سياسية، وإن كانت تحترمهم.

تحرص الجماعة الثورية اللبنانية في الليل على أن تشرب كأسا، لكن هذا لا يمنعها في النهار أن “تقاوم” إلى جوار حزب الله. هكذا يقول شعار رفعوه في مظاهرة بيروتية. المظاهرات صارت الآن منتهى حلمهم في “المقاومة”. إذ من خصائص فكرة الجماعة الناجية، المنبثقة عن تفكير المدينة الفاضلة، أنها تبحث عن النقاء بحثا لا ينتهي عند حد، وتتقاتل، وتفتن الذهب فوق مزيد من اللهب، حتى تصل إلى أقصى درجات النقاء.

حزب الله – الفرقة الناجية الأقوى – لا يسمح لشخص من الجماعات اللبنانية الثورية بالاقتراب من موقع عسكري له، ولا يثق فيهم من الأساس، إذ ليسوا أنقياء بما يكفي. بل يترك مثانتهم تتضخم باحتباس الرغبة الثورية، حتى أصيبوا بسلس ثوري يوجهه الحزب حسب رغبته في معارك التنقيط الثوري اليومي. أو يدفعهم دفعا نحو أي مرفق ثوري عام يفتتحه، لفك “زنقة” ثورية، ويكونون له شاكرين مهللين.

إن كان هذا ما نراه بأعيننا، في تلك العلاقة الميدانية بين حزب الله وبين “الثوريين” العالمانيين، فما الذي يربطهم به؟ ما الذي يجعل رموز “النقاء الثوري” يشنون حملات على من يعمل في وسيلة إعلامية خليجية، بينما لا مانع عندهم من العمل في وسيلة إعلامية مخابراتية إيرانية كصحيفة الأخبار اللبنانية؟ وما الذي يربط هذا كله بالإنتاج الفني الثوري؟ في الموسيقى، ولدى شعراء، وأدباء؟

يربطهم ما هو أهم من التجليات. يربطهم الجوهر المحرك. النظرة الخيالية إلى العالم. الاعتداد بفكرة الشخص عن العالم أكثر من الاعتداد بالوجود الحقيقي لمن حوله أو الاهتمام برغباتهم واحتياجاتهم. ومن هذا الجوهر يتجلى التشابه في السلوك السياسي بين أناس يختلفون تماما في السلوك الشخصي والالتزام الديني. يتلاقى المنهج السياسي في خطوتيه الأساسيتين.

أولا، تدمير الواقع الفاسد. وهذا هو الشق الأسبق. الذي رأينا منه كثيرا.

وثانيا، بناء المدينة الفاضلة على نظافة. (اللي يعيش بقى علينا وعليكم بخير).

الثوريون وحزب الله، يؤمن كلاهما بفكرة النقاء، وبفكرة السيطرة.

وحزب الله، بالدماء التي دفعها، وبالسلطة التي حازها، يقف منهم في علياء نفسية، لا يحبون أن يعترفوا بها. لكن يدفع لبنان ثمنها.

٥

في وسط هذا الخضم الشعوري، تتوه أسئلة العقل. يغيب التقييم الموضوعي تغييبا متعمدا.

التقييم الموضوعي يقول إن لبنان لم يخلق من جديد ولاهم يحزنون. التقييم الموضوعي يقول إن الدول التي تحسنت عن وضعها في السبعينيات هي الدول المستقرة.

كان لي صديق لبناني يصدمه في بداية وصولنا إلى لندن أن معظم من يقول لهم إنه من لبنان لا يعرفون أين لبنان. وأنه – وهو اليساري ابن الأسرة الشيوعية – يضطر إلى أن يقول لهم إنها بلد إلى جوار إسرائيل.

كم من المتغنين بلبنان من غير أهله يعرف أنه حتى الآن، بعد ٢٧ سنة من انتهاء الحرب الأهلية، و١٧ سنة من الانسحاب الإسرائيلي، لا يزال يقنن استخدام الكهرباء والماء، لأنه لا يملك هذه الأساسيات. هذا هو الأمر الواقع. مهما بالغت في تجميل الشعارات، أو أنفقت على عمليات التجميل.

٦

الناس تنظر إلى حيث أشارت راحة أرسطو، هذا هو موضوع السياسة.

لكن الناظرين إلى حيث يشير أصبع أفلاطون لن تعنيهم المعلومة التي سقناها أعلاه في شيء. لن تساهم في تعديل تقييمهم السياسي للنجاح أو الفشل. ستظل أعينهم تبحث عاليا عن قيم “أسمى” من تلك التي ندركها بحواسنا. سيظلون يتهمون حضارات أخرى بأنها “مادية” ويستخدمونها كمسبة. رغم أننا نعلم، وكل العالم يعلم، أن تلك الحضارات “المادية” هي التي تنتج أدبا أفضل، وفنونا أفضل، وعلما أفضل، وابتكارات أفضل.

هذه حقيقة واقعية تملأ الكون من حولنا. لكنهم – يا للعجب – لا يستطيعون رؤيتها. وهل تتوقع لمن لا يبصر حقيقة واضحة كهذه أن يبصر غيرها من الحقائق “الأصغر”!!

أبدا. وإلا لن يؤدوا دورهم في رواية حياتنا. دور التدمير. لن يؤدوه بقناعة مقنعة. كثيرون ممن شاركوا في حرب التدمير من اللبنانيين، والذين يناصرون الآن قوى التدمير، يعترفون أن لبنان كان أفضل. لكن هذا لا ينعكس على اختياراتهم. ولا ينعكس على اختيارات كثير من المتفرجين عليهم في العالم العربي. الخراب تجارة، تحتاج إلى مسوقين، يعملون كما يعمل المسوق الإعلاني تماما. كلما كان المنتج صعب الترويج كلما كان ترويجه يحتاج إلى مهارة أكثر، وآلة دعائية أكبر.

لا عجب في هذا البلد الرسالي أن عدد إعلامييه يتجاوز عدد إعلاميي بلدان تفوقه عددا بعشرات المرات. وأن نسبة إنفاق أحزابه على الإعلام لا ينافسها إلا إنفاقه على الميليشيات، قديما وحديثا.

مرحبا بكم في مجتمعات التفكير الأفلاطوني. مجتمعات البوق والمدفع.

About khaledalberry (93 Articles)

إعلامي عمل في بي بي سي ١٢ سنة، راديو وتليفزيون وديجيتال ميديا bbcarabic.com
. راسل صحفيا من ١٣ دولة. كان مديرا مناوبا لمكتب بي بي سي عربي في العراق بعد حرب العراق.
. راسل بي بي سي من حيفا وجنوب لبنان في حرب تموز /يوليو ٢٠٠٦
.شارك في تأسيس دوت مصر ورأس تحريرها
. أصدر أربعة كتب هي الدنيا أجمل من الجنة، ونيجاتيف ورقصة شرقية (القائمة القصيرة للبوكر العربية) والعهد الجديد. له كتابان قيد النشر هما “الأمية المقدسة” و “انفصام شخصية مصر”.
. حاصل على بكالوريوس الطب والجراحة من كلية الطب جامعة القاهرة

4 Comments on بخصوص السعادة، والشعب السعيد

  1. Ragabalgablawy // 11/07/2017 at 12:16 pm // Reply

    في كل مقال اقرأه لك و كانك تعيد تشكيل افكاري و تبني وعيي بشكل اخر عما كان مخططا له

    • khaledalberry // 11/07/2017 at 12:28 pm // Reply

      شكرا جزيلا.. ما فيش أفضل من كده بالنسبة لأي كاتب.. فعلا عاجز عن الشكر

  2. الواحد مش عارف يقولك ايه ولا ايه, حاجة اخر عظمة

أهلا وسهلا برأيك

%d bloggers like this: