مقالات هتعجبك

الصراع الأخلاقي على شخصية مصر في #تيران_وصنافير – أين الخيانة؟

الشعارات المرفوعة في #تيران_وصنافير يمكن أن تعمي عينيك عن رؤية صورة الموضوع من كافة جوانبه. هناك صراع أبقى جرى تحت السطح. في #مصر و#السعودية

من أعجب الآراء التي سمعتها في موضوع تيران وصنافير ذلك القائل، حتى لو كانت بتاعة السعودية، مش هنرجعها. ثم يسوق على ذلك دلالات من أفعال الأمم، في حسم النزاعات بالقوة.

أحب أن أشير في البداية إلى الفرق بين أرض حصلت عليها أمة بالقوة العسكرية، ثم رسخت هذا وضعا قائما، وبالتالي تحول الموضوع إلى نزاع، وبين موضوع تيران وصنافير، الذي نقلت السعودية إلى مصر حق السيطرة العسكرية عليهما، في مواجهة مخاوف من التوسع الإسرائيل في السنة التالية لحرب ١٩٤٨، وذلك كله بناء على تفاهم بين البلدين.

في الحالة الأولى هناك نزاع. وفي الحالة الثانية هناك أرض منقولة بناء على تفاهم وإجراءات ودية بين بلدين.

بعد هذا التوضيح أنتقل إلى التساؤلات التي ثارت في ذهني حول هذا الطرح.

أولا: لماذا؟ لماذا يعتبر إنسان أن هذا شيء عادي؟

والإجابة لها شقان، شق أخلاقي، وشق سياسي.

في الجانب الأخلاقي من الموضوع ربما نشأنا نعتقد أن هذا مقبول سياسيا واجتماعيا. كما نرى أن مجتمعات تعتبر ما ينم عن القوة العضلية، حتى في إطار الجريمة، ليس مخلا بالشرف. كجريمة القتل. وفي المستوى الأقل جريمة التحرش، البدني واللفظي. حيث قد يشعر المتحرش بالندم، لكنه لا يشعر بالخجل. لا يشعر أن ما فعله مدعاة لأن يخجل من نفسه. ونظرة سريعة على السوشال ميديا في هذه المجتمعات، وعبر العالم، ستظهر لنا أن المفهوم منتشر أكثر مما نعتقد.

نفس مقياس الخجل هذا ينتقل إلى السياسة. مقياس الخجل لا يزال في مرحلة التباهي بالإغارة على القبيلة المجاورة، والعودة منها بالغنائم، ثم تسجيل ما فعلنا وتخليده في أبيات من الشعر. من الغريب أن الشخص نفسه قد تسمعه لاحقا ينتقد تاريخ العرب قائلا “دا تاريخ داحس والغبراء”، تاريخ كله صراعات. وربما يكون هذا صحيحا، ولكن لماذا؟ بسبب ما تريدنا أن نستمر في فعله. أن “نستعفي” على بَعضنا البعض.

وقد يعتقد هؤلاء، حين ننتقل إلى الجانب السياسي، أن هذا مبرر ضمن أحكام السياسة. ومقبول في العالم كله. ويسوق لك أمثلة. وفي الواقع فإن تلك نظرة سطحية جدا إلى السياسة.

فمنذ قرون والأمم تسعى ولو إلى ”اختلاق“ مبررات أخلاقية للحرب. حتى في الحروب الدينية. تسعى إلى اختلاق مبررات تتعلق بتأديب الكفار أو هدايتهم. أو نشر دعوة الحق. أو حتى نشر ”التنوير“، كما فعل الاستعمار الحديث. كلها مبررات تسوقها الأمم لكي ”تداري خجلها“. صدام حسين نفسه ادعى ادعاءات من قبيل هذا وهو يحتل أرض الكويت. وإسرائيل قدمت مبررات أخلاقية وهي تحارب. وكذلك فعلت الثورة البلشفية الروسية ربما تكون المبررات واهية، نعم، لكن النفس البشرية تحتاجها لكي تتعايش مع ما تفعل من تعد على أرض الغير.

لكن من يقول ”حتى لو كانت بتاعتهم هناخدها“، لا يحاول أن يفعل ذلك.

وهنا، في موضوع تيران وصنافير، الأمر أسوأ بسبب ما أشرت إليه سابقا. أن السعودية ومصر اتفقتا على هذا الترتيب، المستمر من سنة ١٩٤٩ حتى الآن، عن طيب خاطر. عن مثال جيد من أمثلة العلاقات الثنائية والتعاون. كان هناك عدو مشترك، وكانت البحرية المصرية أفضل حالا، فتم الاتفاق على أن تسيطر هذه البحرية على الجزر.

احتلت الجزر في أول مواجهة عسكرية، ١٩٥٦، فطلبت مصر من السعودية – مرة أخرى – أن تتولى هي التفاوض مع الأمريكان لدفع إسرائيل لإجلائها كونها أرضا سعودية (راجع كتاب ملفات حرب السويس لهيكل وهو ليس صديقا للسعودية كما نعلم، ومقرب من عبد الناصر كما نعلم) وبالفعل يتولى الملك سعود متحمسا التواصل مع دوايت أيزنهاور، حتى يتم إحلال قوات حفظ سلام محل القوات الإسرائيلية.

هيكل ملفات حرب السويس.png

هيكل ملفات السويس ٢.png

ثم تحتل الجزر مرة أخرى حين تقرر مصر إجلاء قوات حفظ السلام وإغلاق المضيق عام ١٩٦٧. وتظل محتلة حتى تعود عام ١٩٨٢بموجب معاهدة السلام. وتتفهم السعودية مرة ثانية وجهة النظر المصرية بإبقاء الجزر تحت السيطرة المصرية حتى لا تعرقل مفاوضات السلام. (إسرائيل لم تكن لتعيد الجزيرتين لغياب العلاقات بينها وبين السعودية، ولأخرجتهما من مفاوضات السلام.)

كل هذا سجلٌ من “العلاقات الطيبة” والتفهم في موضوع الجزيرتين. حتى في ظل انقطاع العلاقات العربية المصرية. بحيث لم تبدأ المطالبة بعودتهما إلا بعد انتفاء “الغرض” الذي أعيرتا من أجله إلى مصر.

فكيف بعد هذا كله نقول إننا لن نعيدهما.

أي شخصية لمصر نرسم، وأي حزمة من الأخلاق ندعي.

بعض الأصدقاء، حين أطرح هذا الطرح، يذكرونني بأنني دائم الدفاع عن الراجماتية. ينطلقون هنا من الاعتقاد أن البراجماتية ضد الأخلاق. وأن البراجماتيين يجب أن ينسوا موضوع الأخلاق. لكن هذا خطأ بالغ.

البراجماتيون يعتقدون أن البراجماتية هي منبع الأخلاق النافعة. أن الإنسان جرم القتل، لأنه اختبر القتل فرآه مضرا، حتى لنفسه، إذ يوسع  احتمالات أن يموت مقتولا.

البراجماتيون ضد مفهوم النصوصية كمنبع للأخلاق. ضد فكرة أن هناك حزمة من الأخلاق التي لو طبقت في أي مكان وفي أي ظروف سيحيا المجتمع سعيدا. ضد فكرة أن الأخلاق وجدت أولا ثم نشأ المجتمع البشري. يدعمهم في ذلك التاريخ وملاحظة تطور الأخلاق فيه.

مصر الملتزمة باتفاقاتها الودية، التي لا تستعير وديا ثم تمتنع عن الرد استقواء، التي “لا تخون الأمانة”، أنفع لمستقبل علاقاتها مع جيرانها من مصر التي تُمارس السياسة بنفس الطريقة التي يدير بها آكلو أراضي جيرانهم في المجتمعات الزراعية علاقاتهم مع الغير. ومن له علاقة بالمجتمعات الزراعية يعرف هذا جيدا، وسمع كثيرا عن تلك العادة المنتشرة، والقضايا التي استمرت أجيالا، ودمرت عائلات. ويعرف أكثر أن الجرم يرتكب من أناس عاديين، وبعضهم صوام قوام طيب وكريم. إنما هي تشبيكة من الأخلاق والنظرة إلى الحياة من الصعب أن تستوعبها لو لم تعش فيها، يبرر بها لنفسه حيازة الأرض، ثم رفض التنازل عنها. وهي فكرة تتمدد إلى فكرة ”وضع اليد“ المنتشرة في المجتمع عامة.

هنا لا بد أيضا من اختبار السؤال التالي: هل “التكويش” على الجزر يمثل نفعا قاهرا تتضاءل أمامه كل هذه الاعتبارات؟

أبدا. الأهمية الاستراتيجية لهذه الجزر، منذ البداية، تتمثل في منع إسرائيل من السيطرة عليها، وإبقائها ممرا “عربيا”، كما كان وصفها الشائع في الخمسينيات والستينيات. سيكون مفيدا هنا التذكير بحقيقتين

١- وجود الجزيرتين تحت السيطرة المصرية لم يمنع إسرائيل من السيطرة عليهما في ١٩٥٦ و١٩٦٧. أقصد أن السيطرة عليهما وقت الصراع مرتبطة بموازين القوى وليس بالجهة التي تملكهما.

في الواقع لم تسيطر مصر على هاتين الجزيرتين سيطرة كاملة إلا لمدة ٢١ يوما، منذ ١٩٥٦ حتى الآن. هي تلك الأيام الممتدة من ١٤ مايو إلى ٥ يونيو. في سياق العمليات العسكرية والانسحاب من سيناء “نسيت” القيادة المصرية جنودا كانوا متمركزين على الجزيرتين، حتى احتلتهما إسرائيل في نهاية يوليو من العام نفسه.

٢- المياه الدولية المحيطة بالجزيرتين لن يتغير وضعها القانوني بحيازة مصر أو عدمه. في المرتين اللتين اعتبرت مصر أن تلك مياه إقليمية بسبب سيطرتها على الجزيرتين انتهى الأمر باحتلالهما. ولم يعترف العالم سوى بأن هذه مياه دولية. ثم تأكد هذا بإقرار مصري ضمن معاهدة السلام. والقصد من هذا – أكرر – أن الفيصل في السيطرة الاستراتيجية على هذا الممر لا تعود إلى ملكية الجزيرتين، القريبتين جدا من السواحل المصرية، بل تعود إلى القوة الفعلية على الأرض.

لو بلغت مصر من القوة العسكرية مبلغا يجعلها قوة إقليمية مسيطرة، فلن يمنعها جهة ملكية الجزيرتين من فرض سيطرتها البحرية. ولو لا، فلن ينفعها ملكيتها للجزيرتين في فعل هذا.

أين المنفعة في ذلك إذن؟ إنني كلما قلبت الأمر على وجه من وجوهه لم أَجِد سوى الرغبة في الإحساس بالقدرة على السيطرة، وليس القدرة على السيطرة، دافعا.

البيضة والفرخة

هذا الخطاب في دائرة تغذية متواصلة  مع الخطاب الذي يساوي بين ”إعادة الجزيرتين“ وبين ”بيع الأرض“.

لذلك نرى أن الحملة التي قادها الراغبون في استيلاء مصر على الجزر بدأت قبل أن يمضي وقت كاف يجعلنا نصدق أنهم فحصوا ودرسوا. الموضوع بالنسبة لهم بسيط. أرض في حيازتهم. انتقالها إلى حيازة آخرين جريمة، حتى لو كانوا ملاكها الأصليين باعتراف الحكومات المصرية المتعاقبة. وانطلقت تحت شعار منتشر في الفلاحين، هو شعار ”عواد باع أرضه“. كل الفارق أن هذا الفريق الثاني أراد أن يعيد كتابة الحدود السياسية، وألا يعترف بما تعاهد عليه من انتقلت إليهم حيازة الأرض في الأساس، وأقصد الحكومة المصرية عام ١٩٤٩، وما استمر بعد ذلك بلا انقطاع، إلا في سياق الخطابة التي أرادت أن تبرر لماذا من حق مصر أن تغلق مضيق تيران، والتي لم تتدخل السعودية لتحديها تفاهما مع مصر (مشكورة عليه) في ذلك التوقيت الحساس. لكن مصر سرعان ما عادت بعد احتلالها – كما أشرت سابقا – وطلبت من السعودية تولي مهمة السعي لإرجاعها.

يلعب هذا الخطاب إذن على نفسية المجتمع المصري الزراعي. بشعار يبدو أخلاقيا بحكم الانتشار وليس بحكم المنطق. إذ إنه يناقض الخلق الجيد الذي يقضي بإعادة الأمانات إلى أهلها. ويشبه بالضبط سلوكا شائعا بين المستئجرين والملاك في مصر. سلوكا أزحم المحاكم بقضايا لا تنتهي، لأناس يبحثون في ثغرات القوانين، لكي يتحدوا ”التعاقد“. ليس غريبا أن من تزعموا حركة الاحتجاج كلهم محامون، فهم خبراء في هذا، بينما توارى السياسيون والخبراء عن الصورة وغيبوا تغييبا، أو اتهموا في ذمتهم ومعرفتهم بالقانون الدولي. وهو – بالمناسبة – الجهة الوحيدة التي من حقها أن تقضي في النزاعات الدولية. لسبب بديهي هو أن التحكيم الدولي هو الجهة الوحيدة التي تملك أن تستمع إلى رأي طرفي القضية.

توقف الإحساس بالعار إذن عند فكرة ”بيع الأرض“. بينما قصر الإحساس بالعار عن فكرة ”خيانة الأمانة“، التي أقرت بها مصر على المستوى الرسمي ولم تنازعها أبدا. بل وأودعت لدى الأمم المتحدة نقاطها الحدودية محل النظر منذ عام ١٩٩٠، منذ ٢٧ سنة كاملة، بطريقة واضحة لا تحتمل اللبس في ما يخص الجزيرتين وجهة ملكيتهما. وراسلت السعودية على لسان وزير خارجيتها عصمت عبد المجيد.

تيران عصمت عبد المجيد ١.jpg

واستمرت العلاقة على هذا المنوال. بحيث لم تكن لتفضي إلا إلى إعادة الجزيرتين. من الناحيتين، السياسية، والقانونية الدولية. ولكن – كما أشرت – من الناحية الأخلاقية أيضا.

والغريب أن مروجي هذا الخطاب هم الطرف الأبرز الذي يحاول إشعار المصريين بالإهانة الشخصية من إجراء سياسي عادي وتطور بشكل طبيعي. هم فقط الذين يروجون لهذه الفكرة المهينة، مع أشباههم من الراغبين في إذكاء أي خلاف بين مصر والسعودية المنتشرين في مختلف الدول. وهم الحريصون على بقاء إحساس المصريين بالمهانة وتضخمه.

وللأسف نجحوا إلى حد كبير، لأن هذه فكرة متجذرة في المنظومة الأخلاقية لمجتمع مصر الزراعي. بينما لم يدركها الساسة وهم يديرون الملف. لم يدركوا أن خطابهم يجب أن يكون حريصا على تقديم الموضوع بصورته، كما هو، كرد للأمانة، وإثبات أن العلاقات الجيدة والتفاهم اللذين أحاطا بموضوع الجزر منذ ١٩٤٩ حتى الآن، لا يقودان إلى نزاع، ولا ينبغي لهما أن يقودا إلى نزاع، بل ينبغي لهما أن يقدما مثالا على إمكانية الحدوث، يشجع لمزيد منهما.

لم تفهم القيادة السياسية البعد النفسي، وتراعيه، كما فهم معارضوها البعد النفسي، ولعبوا عليه.

أنا وأخويا على ابن عمي

ثم تأتي حجة أخلاقية أخرى ليست بعيدة عن هذا، يسوقها فريق ثالث. تلك التي تقول إن حب الوطن يستدعي أن تنحاز لصالحه دائما. وهي جملة تستحق التوقف عند كل كلمة فيها. لكن هذا سيحتاج إلى كتب. الأفضل أن نتساءل ببساطة: ومن قال لكم إننا لا ننحاز إلى صالحه؟

الانحياز إلى الصالح قد يراه المرء من زاوية ضيقة. تتمثل في الحصول على ما يظن أنه مكسب بنظرة حسابية بحت. لقد ضم قطعة من الأرض. يا مسهل.

وأحيانا يخلط المرء بين ما هو مصلحة بلده وما هو “مُرضٍ” له شخصيا، مرض لنزعاته المباشرة. بينما السؤال الأعمق في موضوع المصلحة – دائما – هو أن يتغلب تفكيرك على نزعاتك، حتى في فورة تلك النزعات، لكي يصل إلى القرار السليم. هذا هو التحدي الأكبر.

الانحياز إلى الصالح يحتاج إلى ضمان أن يَصب التصرف – فعلا – في الصالح.

مصر لم تخسر شيئا بإعادة جزيرتين مستعارتين إلى الدولة المالكة لهما، والتي أعارتهما عن طيب خاطر، وليس من خلال صراع. بل بالعكس، كسبت ثقة، وإثبات التزام بالوعود، ستنفع في مستقبل العلاقات. لكنها كسبت أيضا أن الحدود المائية صارت مستقرة، وأن هذا سيشجع على استغلالها اقتصاديا. وكسبت أكثر من ذلك قوة في التحالف المصري السعودي.

يجب أن يفهم كل متحدث ومتحدثة في السياسة، أن تلك لا تُمارس إلا من خلال تحالفات. وأن التحالف مع السعودية والإمارات هو الذي أنجح ملفين مصريين هامين جدا. الأول هو مكافحة الإرهاب ومكافحة مصدر تمويله – قطر. والثاني هو دعم الخطوات المصرية في تأمين حدودها الغربية. هذان ملفان ضخمان. ستظهر أثارهما على المدى القريب.

ربما – إدراكا لهذا – ينشط الحلف الإخواني القطري نشاطا ملحوظا في هذا الملف. مستغلا المشاعر الوطنية لفئة أكبر، وأصدق نوايا، تعترض لدواع وطنية بحت، على إنهاء استعارة الجزيرتين وإعادتهما إلى المالك الأصلي.

لهذا الحلف غرض يصر عليه أكثر مما يصر على الجزر نفسها، وهو المعروف باحتقار فكرة التراب الوطني، والغرض هو تخوين السلطة المصرية وإسقاط شرعيتها. غرض سعوا إليه وفشلوا منذ سنوات، لكنهم لا يملون من العودة إليه. لقد رفعوه في وجه كل سلطة، وكل فكرة مصرية، منذ نشأتهم، ولن يخفضوه إلا حين تنضم مصر إلى دولتهم المزمعة.

فوتوشوب ريفلكشن توول

يستطيع الإنسان أن يعارض السلطة القائمة، مع احتفاظه بالصورة العامة. ليس بشريا أن تقدم نفسك للناس على أنك ملاك مقابل شيطان. الإنسان في صورته الإنسانية، في السلطة أو غير ذلك، ليس لونا واحدا، في السياسة كما في الحريات كما في الاقتصاد، قد يصيب في جانب ويخطئ في جوانب. فكرة الأبيض والأسود فكرة كسولة أخلاقيا. والإنسان أيضا لا يعمل كالفوتوشوب ريفلكشن توول.  تلك الأداة في برامج الفوتوشوب التي تعطيك الصورة العكسية. فهي وإن كانت عكسية، ليست أكثر من كوبي من الأصل.

يستطيع الإنسان أن يطرح رأيه، مهما كان الخلاف حادا، مع احتفاظه باتزانه النفسي والأخلاقي. حتى لا تتكرر بعد أن تهدأ المشاعر تلك الصورة التي نقلت إلى المواطنين العاديين من قبل، فظنوها كرها للبلد وسعيا إلى خرابها. يستطيع الإنسان أن يعبر عن رأيه، ولكن دون أن يتحول إلى صورة من الإخوان المسلمين، الكافرين بمصر منذ سقوط دولة العثمانيين.

السلطات المصرية المتعاقبة لم تخن البلد في موضوع تيران وصنافير. السعودية طوال تلك المدة لم تخن مصر في موضوع تيران وصنافير، رغم ما بلغته العلاقات من تأزم في الستينيات، بالعكس، لم تستخدم الموضوع أبدا لإحراج مصر في وقت مواجهة. السلطة المصرية الحالية لم يكن ينبغي أن “تخون التعهد” مع السعودية في موضوع تيران وصنافير، بل أن تنجزه في الأطر السياسية التي تحفظ للبلد حقها ومصحلتها.

الخيانة هي خيانة العهد. فاحذر، دون أن تدري، أن تكون داعيا إلى خيانة العهد. بينما تتهم الآخرين بـ “الخيانة”.

About khaledalberry (93 Articles)
إعلامي عمل في بي بي سي ١٢ سنة، راديو وتليفزيون وديجيتال ميديا bbcarabic.com . راسل صحفيا من ١٣ دولة. كان مديرا مناوبا لمكتب بي بي سي عربي في العراق بعد حرب العراق. . راسل بي بي سي من حيفا وجنوب لبنان في حرب تموز /يوليو ٢٠٠٦ .شارك في تأسيس دوت مصر ورأس تحريرها . أصدر أربعة كتب هي الدنيا أجمل من الجنة، ونيجاتيف ورقصة شرقية (القائمة القصيرة للبوكر العربية) والعهد الجديد. له كتابان قيد النشر هما "الأمية المقدسة" و "انفصام شخصية مصر". . حاصل على بكالوريوس الطب والجراحة من كلية الطب جامعة القاهرة

أهلا وسهلا برأيك

%d