مقالات هتعجبك

كم مرة سيخدعنا الإخوان؟ وكم مرة سنشتري الخدعة؟

في التسعينيات ينتقدون سيد قطب ويدافعون عن قاتل فرج فودة. الآن ينتقدون الثمانينيات لكن يحتفون بقادتها في منصة رابعة ويبررون ما يحدث في سيناء وليبيا. كم مرة سيخدعنا الإخوان؟

لو حد عنده وقت يتابع تطور الخطاب العلني للإخوان المسلمين، شبابا وقادة، هتلاقيه غريب جدا.

١- مرحلة الثلاثينيات والأربعينيات (مرحلة الشهيد حسن) البنا

مصر كانت بتحاول تطلع من مفردات ثقافة الحكم الإسلامي المتخلفة عن عصرها، وابرزها التخلف المجتمعي، بتفضيل المسلمين على المسيحيين واليهود، والتخلف الاقتصادي، بالاستمرار في اقتصاد الريعي، والتخلف السياسي، بالالتصاق بمفردات التاريخ الإسلامي السياسية وتقديسها، والتخلف الفني، بتحريم منتجات الفن والفكر.

في كل المجالات دي كانت مصر بتحرز نجاحات (في نخبة السيتي طبعا، زي أي مكان في الدنيا). كانت الأحزاب السياسية الجديدة خليط من مسلمين ومسيحيين ويهود . وكان الاقتصاد الجديد قائم على بذرة العمل المصرفي. وكان الإنتاج الفني في أزهى عصوره المصرية، طه حسين ونجيب محفوظ، وأحمد لطفي السيد، ومحمد هيكل، إلخ..

وكان الإخوان هم راس الحربة في الوقوف ضد كل مفردة من دي.

نجح الإخوان مع خالد الذكر في القضاء على المشروع الحداثي المصري، وتغليب مشروع “البركة” الريفي. مشروع “ننوي بس وربك هيسهلها”. مع شوية إجراءات “حداثية” ظاهرية

نجم هذه المرحلة هو حسن البنا

٢- مرحلة الخمسينيات والستينيات (مرحلة الشهيد سيد) قطب

تحول الإخوان من محاربة مفردات الحداثة، زي ما كان حاصل قبل كده، إلى الضرب في أصل فكرة الحداثة، إلى انتقاد فكرة التفكير “المادي” نفسها. مش بقول لكم مشروع هو مشروع “البركة”. دا عن طريق كتابات سيد قطب، وأخوه محمد. واللي مشي عليها الإسلاميين في ربوع المنطقة.

وبالتالي بقت الفكرة الجديدة هي جاهلية المجتمع. دي طالعة منين؟ من الإخوان. من الشهيد سيد، زي ما الفكرة السابقة كانت من الشهيد حسن.

نجم هذه المرحلة هو سيد قطب

٣- مرحلة الثمانينات والتسعينات (مرحلة الشهيد خالد بس ماتقولش لحد) الإسلامبولي

هنا بقى بيبتدي موضوع هذا المقال.. الوجه المتلون. خلي بالك إيه اللي بيحصل

بيدافعوا عن خالد الاسلامبولي في المحاكمات، بوصف ما فعله إسلاميا. دي الادبيات المكتوبة للتاريخ. ودا الامتداد الطبيعي لفكرهم.

إنما في نفس الوقت بيقدموا نفسهم للسلطة على إنهم الوجه السمح. يا إما تتعاملوا معانا يا إما أديكو شايفين، هتتعاملوا مع أمثال خالد الإسلامبولي (أيوه هو نفسه اللي دافعوا عنه في المحكمة، وهو نفسه اللي طبلوا لفعله وغنوا له).

دي أهم حاجة هنا. تابع معايا القلاب بيقلب ازاي.

سيد قطب شهيد. كتاباته عظيمة. بس مش كلها. خالد الاسلامبولي اللي عمله كان إسلامي. بس مش قوي.

طيب إيه الجديد اللي عندكم؟ فين الأدبيات اللي تنقض دا؟

مافيش.

طيب ليه بتدافعوا عن قاتل فرج فودة في المحكمة؟

أومال عايز الناس تتعود تقول اللي عايزاه.

طيب ما انتو بتقولوا حرية فكر؟

آه حرية فكر مش حرية كفر. فيه سقف.

نجم المرحلة دي هو عبد المنعم أبو الفتوح. ممكن ناس تقول التلمساني. إنما الحقيقة الشخصية النموذجية بتاعتها هي عبد المنعم ابو الفتوح. دا اللي هيعيش معانا. ودا اللي هنشوف مآله. ودا اللي احنا شايفين “رجالته” حوالينا. بيعملوا نفس اللي هو بيعمله.

إيه اللي بيعمله؟ شاورت عليه هنا. بس هيبان لما نكمل في المرحلة الجاية.

٤- مرحلة الألفية التالتة. مرحلة أنا مش إسلامي أنا يساري. اللي هو أنا إسلامي يعني، بس ممكن أسمع مزيكا وأشرب بيرة، وأنتج “فن” وأعمل علاقات

هبتدي هنا بنجم المرحلة، لأن دا هيوفر علينا كتير. نجم المرحلة هو المرحوم عبد الوهاب المسيري. ودا شخص أنا بحبه على المستوى الشخصي. لكن خلي بالك عمل إيه على المستوى الفكري. دا هيلم الليلة اللي فاتت دي كلها.

أولا: في قضية الفكر المادي.

ماقالش إن العالمانية تمام. قال لك فيه عالمانية جزئية، ودي تمام. لكن فيه عالمانية كلية. ودي مش تمام.

سيبك من اللف والدوران. ماذا يقصد بالعالمانية الكلية؟ يقصد التفكير المادي. يعني الحقيقة هو بيضرب أصل الفكر البشري الحديث. والمعتمد على قاعدة بسيطة. “الركون إلى الأمور التي يمكن قياسها قياسا ماديا”. انت يا باشا تؤمن باللي انت عايزه. تقدر تستنى المطر بعد صلاة الاستخارة. يمكن ييجي ويمكن مايجيش. إنما أنا كسياسي، مقدرش أعول على كده. أنا محتاج تبقى عندي قياسات مادية. مقدرش أقول للناس صلوا وامنوا واتقوا والبركات هتيجي. أنا لازم أعول على قياسات مادية.

يعني الاستاذ المسيري، في الحقيقة، معملش أكتر من اللي عمله عمر بن الخطاب، من ألف وربعمية سنة، لما استعار نظام الدواوين الفارسي، واستعار فكرة “مجلس الحكماء” الرومانية. لا أكتر ولا أقل.  مجرد استعارة إجرائية

إنما الأهم بالنسبة لي هنا. إنه أعاد صياغة لنفسه كيساري تمانيناتي بثوب إسلامي. دا اللي اقصده من فكرة المقال. إزاي إنهم هم، وجمهورهم، بيقدموا لنا اللي كان موجود، بس بعد تلاتين سنة.

هو إيه اليسار المصري. اليسار المصري على مختلف تنويعاته، عبارة عن خليط من فكر البركة الريفي، على شوية خطابة “إجرائية”. إسلاميو الألفية نفس الحكاية. هو مش فاهم إن جوهر الموضوع، في إدارة المجتمعات، هو تقريب الإدارة بقدر الإمكان من القياسات العلمية، بقدر الإمكان، لأن دا مش هيحصل أبدا. التطور في الاقتصاد الحديث هكذا بدأ. اقتصاديون استطاعوا تقريب القياسات الاقتصادية، وحساب العوامل غير الظاهرة، بقدر الإمكان، من القياسات العلمية.

الدكتور المسيري كان بيته بيتا حديثا عادي في مصر الجديدة، بس كان فيه زير، ودكة فلاحي . تشوفهم وانت داخل.

المعمار، زي ما كان دايما يقول لي، هو أقرب صور الثقافة التصاقا بالإنسان. بكل ما أحمل لك من مودة شخصية يا دكتور. عندك حق. والمعمار اللي حضرتك اخترته صورته في ذهني ساعدتني كتير في فهم جوهر الشخصية اليسارية، الإسلامية، المعاصرة.

يبقى دكتور المسيري زي ما قلنا نقض حاجات من سيد قطب، بس مش جوهرها.

ثانيا: نقض شوية من الدعاية ضد اليهود. بس برضو مش جوهرها. إزاي؟

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية في الحقيقة بتعمل مع اليهود نفس اللي عملته مع الفكر المادي. بتدفع عن اليهود بعض التهم الإجرائية. فبتثبت بالاحصاءات، مثلا، إنهم الأكثر تزاوجا مع المجتمعات الأخرى، وبالتالي، فإن فكرة الغيتو اليهودي فكرة مخطئة.

لكنها مش بتنقض أصل التهمة الموجهة لليهود، وهي تهمة الجماعة الوظيفية. مش بتفرق ما بين إن اليهود يكونوا اضطروا، كأقلية مضطهدة مطاردة طول عمرهم، إلى الاحتماء بالسلطة. عملوا كده مع العثمانيين، وعملوا كده مع سلطات أوروبية. وكانوا في معظم الأحيان كبش الفدا، لما السلطة دي تحب ترضي مواطنيها من العامة.

الفرق بين اليهود وغيرهم من الأقليات الدينية هنا فرق تاريخي، سياسي. دول الأقلية الدينية الوحيدة في الديانات الابراهيمية اللي عددهم قليل، واللي الدين بتاعهم مرتبط بعرقية، واللي “مكروهين” من اللي جه بعدهم، رغم إنهم هم أصحاب الديانة وأصلها. دا وضع رهيب، وصعب.

وتصنيف اليهود ككتلة دينية، والتعامل معهم على هذا الأساس، لا يختلف في جوهر عن تصنيف المسيحيين بنفس الشكل. وبالتالي لا يختلف في جوهره عن الدعاية الإسلامية السياسية ضد اليهود والمسيحيين في وقت حسن، ثم ضد المسيحيين حين طرد اليهود. ودا بيبان في المبررات اللي بيسوقوها تبريرا للجرائم ضد المسيحيين. التبرير إن المسيحيين – ككتلة – ناصروا النظام السياسي الحالي

أزال الكتاب إذن بعضا من المحيط باليهود من مظاهر الكره. لكنه لم يلمس الجوهر. وتاني، دا نفس اللي بيقوله يساري ثمانيناتي، مافيش تغير في الوعي، فيه تحوير في الخطاب بس. اليساري الثمانينياتي بيقول لك أنا مش ضد اليهودي أنا ضد الصهيوني.

وتلاقيه في الجملة التانية قال لك على كل سياسي أمريكي فرنسي بريطاني مش عاجبه، آه ما دا يهودي. أو لزق كلمة يهودي في أي خبر جاي من هنا أو هناك.

بعد المقال الطويل دا دي الخلاصة:

في التسعينات، يبتدوا ينتقدوا في إسلاميي الخمسينيات.. انتقادات في السلوك الظاهري عادة، لكنهم بيدافعوا عن قاتل فرج فودة، وبيتولوا مهمة التشنيع عليه، وعلى نصر حامد أبو زيد.

في الألفية التالتة، يبتدوا ينتقدوا في سلوك الثمانينيات. بس في نفس الوقت بيكونوا بيبرروا اللي بيحصل في سيناء، وبيستضيفوا قادة الثمانينيات في منصة رابعة، وبعدين بيبرروا ويدافعوا عن الجماعات المسلحة في ليبيا .

مين اللي بينتقد؟

الطامح في قبول اجتماعي.

مين اللي بينفذ إرهاب على الأرض؟

جيل جديد من الإرهابيين.

طيب كسبنا إحنا إيه؟ يعني فين الأدبيات الجديدة اللي نقدر ناخدها دليل؟ وتقدر تؤسس لمرحلة جديدة؟

مافيش. كسبتوا الصلاة ع النبي. أنا (الإخواني المعاصر) اللي كسبت. بقيت إسلامي مودرن، وبروح الكونجرس وبطلع في التليفزيونات. لكن لو في قضية ازدراء مش هقدر أقول مافيش حاجة اسمها ازدراء (هفقد جمهوري). ممكن أتكلم عن العنف. بس مش العنف اللي حاصل حاليا. خلي بالك. لا العنف اللي من تلاتين سنة.

والأهم من كده إنه دايما فيه جمهور عايزنا نسقف لهم على كده. نسقف لهم على إنهم متأخرين تلاتين سنة، عن اللي كانوا هم نفسهم متأخرين.

أصل أنا ناصح.

أصل أنا حدق.

أنا داهية.

أنا مصيبة.

منك لله يا بو الفتوح، انت وشلة “اليساريين” – هكذا يسمون أنفسهم – اللي حواليك.

About khaledalberry (93 Articles)

إعلامي عمل في بي بي سي ١٢ سنة، راديو وتليفزيون وديجيتال ميديا bbcarabic.com
. راسل صحفيا من ١٣ دولة. كان مديرا مناوبا لمكتب بي بي سي عربي في العراق بعد حرب العراق.
. راسل بي بي سي من حيفا وجنوب لبنان في حرب تموز /يوليو ٢٠٠٦
.شارك في تأسيس دوت مصر ورأس تحريرها
. أصدر أربعة كتب هي الدنيا أجمل من الجنة، ونيجاتيف ورقصة شرقية (القائمة القصيرة للبوكر العربية) والعهد الجديد. له كتابان قيد النشر هما “الأمية المقدسة” و “انفصام شخصية مصر”.
. حاصل على بكالوريوس الطب والجراحة من كلية الطب جامعة القاهرة

2 Comments on كم مرة سيخدعنا الإخوان؟ وكم مرة سنشتري الخدعة؟

  1. أولا :أحييك على رؤاك المميزة ومنهجك الموضوعى.ثانياً:لا يمكن إنكار أن إطلاق المبادرة الفردية فى المجال الاقتصادى لابد سينتهى إلى تتابع دورات من الانهيار الاقتصادى والاجتماعى بالتالى( بسبب الجشع ( الأفراد والشركات )والرغبة فى تعظيم الثروة والإحتكار، وهذا واقع ( رياضى) وتاريخى،و من هنا تنشأ الحاجة للمعالجة اليسارية ( العلمية)لتقليم أظافر وحوش السوق الحرة المفتوحة ، التى قد تتسبب فى كوارث اجتماعية تنتهى إلى الفوضى المبررة للفاشية . مع خالص مودتى

    • khaledalberry // 02/06/2017 at 1:32 pm // Reply

      شكرا ليك. الميل الطبيعي للجشع بيتمثل في الميل الطبيعي في بدايات التحول الرأسمالي للتحالف مع السلطة، لأنه بيمثل مكسب سريع وبحث عن الأمان للمستثمر. وبيمثل على الناحية التانية استمرار إمساك السلطة بتلابيب الثروة. فبيكون حالة مثالية لطرفين. لو قلنا إن الاجراءات اليسارية هي اللي بتوقف دا، فاحنا بنقول في الواقع الإجرائي، إن إعطاء سلطات أكبر للسلطة المركزية (اللي هي طرف في المعادلة) للاستمرار على نهجها. وبالتالي بنضر المسار على المدى البعيد وبنسمح بمزيد من النكوص ثم القيام، ثم النكوص. وهكذا. الحل الأمثل هو مزيد من الحرية الاقتصادية، والدفاع عنها، لأن دا اللي بيدخل مزيد من الأطراف ذوي المصالح المتضاربة في المعادلة، وبالتالي المنافسة بتخلي كل منهم رقيب على الآخر. الحل للجشع الرأسمالي الأولي هو مزيد من الرأسمالية. لأن العكس وإن بدا عادلا، فهو في الحقيقة بيقوي تحكم السلطة المركزية في الاقتصاد، وبالتالي بيتلفه أكتر

أهلا وسهلا برأيك

%d bloggers like this: