مقالات هتعجبك

تصريحات سالم عبد الجليل: أين يقف الدين في سعي مجتمعنا إلى التطور

تصريحات سالم عبد الجليل. تصريحات شيوخ الأزهر. تصريحات قادة الجماعات الإسلامية. تضعنا أمام سؤال. أين يقف الدين حاليا في سعي مصر إلى التطور؟ مقالات خالد البري

 أغرب تعليقات سمعتها عن تصريحات سالم عبد الجليل هي تلك التي تقول إن هذه أمور معروفة، وأهل كل عقيدة يرون في غيرها فسادا عقيديا. أصحاب هذه التصريحات لم يدركوا أبدا المشكلة في تصريحات سالم عبد الجليل وغيره من شيوخ الأزهر، ومن قادة الجماعات الإسلامية. المشكلة ليست في ما ترى، المشكلة في ما تبنيه على ما ترى.

فماذا يبني الإسلاميون على “كفر” أصحاب العقائد الأخرى؟ 

أولا:

في الدرجة القصوى وجوب قتالهم، لإقامة “الشريعة الحق”. ومع القتال يأتي استحلال اغتصاب النساء أو الاستيلاء عليهن كإماء، والأطفال كعبيد.

لو كتبت هذا من ثلاث سنوات فقط لقلت لي إن هذا مبالغة وإن تلك ممارسات لم تعد موجودة في العصر الحديث. لكن سلوك الإسلاميين وقد تحققت لهم السيطرة على بعض مناطق العراق وسورية أظهر لنا أن الموجود في العقول موجود في الواقع، متحينا فقط فرصة “الظهور”. الغياب عن العين لا يعني الغياب عن الوجود. من قلب هذه المأساة ظهرت منفعة وحيدة. أن عددا متزايدا من المسلمين صاروا يبحثون على الإنترنت عن أصل فتاوى داعش، ففوجئوا بأن الحويني ومحمد حسان وكتب الأزهر، فضلا عن قادة الجماعات الإسلامية، يقولون هذا دائما. لكنه يمر علينا مرور حكايات ألف ليلة وليلة.

ثانيا:

قاتلوا… “حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون”. إن لم يكن قتال، ولم تكن جزية، فليكن صغار. هذه مشكلة عويصة تنتقل بنا من داعش العراق وسورية إلى داخل مصر. حيث تباهي مسلمين على منابر المساجد بأن العزة لهم، وأن الصغار لغيرهم. مع حكايات عن “عظمة المسلمين” في إجراءات الصغار التي فرضوها على المسيحيين واليهود. من ارتداء الزنانيز والصلبان الثقيلة.

هنا تذهب الإجراءات حيث تذهب في أحلامها، منتظرة خليفة قادما في يوم من الأيام لكي يعيد هذه “العزة”. خليفة داعشيا أو قاعديا أو جهاديا أو أي مسمى آخر، لكنه يتمثل نفس السلوك. ما يبقى في واقعنا هو هذا اللفظ -“الصغار”. فذلك لا يحتاج أميرًا مُمَكنًا، بل يستطيع كل مسلم “حق” أن يفرضه على جاره، وزميله في العمل. فلا يسمح لنصراني بأن يترأس على المسلمين، ولا أن “يرفع عينه” في وجه المسلمين. ويتوغل سمت “الصغار” أكثر فأكثر، فترى مسلما يقول لغيره في مشاجرة “يا نصارى البلد”، قاصدا الإهانة، والصغار.

ثالثا:

لا هذا ولا ذاك، يكفي “الظلم المقنن”. وهذا مفهوم لا أدري كيف لا يرى الفقهاء والمسلمون المعاصرون حجم الظلم فيه. تقسيم الإيمان والكفر يقسم المجتمع المصري قانونيا، في الإرث، وفي الشهادة في المحاكم، وفي العقوبة على القتل.

حين فعلت النازية هذا في أوروبا (حين حولت ألمانيا دعايتها اللفظية ضد اليهود إلى قوانين قضائية تضع اليهود في مرتبة ثانية) انتقلت من مرحلة العقيدة الفكرية الشنيعة إلى مرحلة العقيدة الفكرية الإجرامية. هنا بالذات اكتسبت وصف معاداة السامية. ومن هنا بالذات تحولت معاداة السامية بعد ذلك إلى جريمة في أوروبا.

لكن الموضوع في مصر “عادي”. عادي أن تعتبر أن غير المسلم مواطن من “درجة خاصة”. له سقف لا يتعداه. وأن تروج لهذا. ما هو “كافر”.

هذه النقاط السريعة بسعة المقال غرضها أن أنتقل إلى النقطة الأهم.

ما هي مصر؟ وفي أي عصر تعيش بالفعل؟

هل مصر دولة وطنية؟ دولة تساوي بين مواطنيها كونهم مواطنيها دون النظر إلى أي اعتبار آخر. أم دولة تحكم بشرعية “الفتح الإسلامي”، وبالتالي فهي دولة لا تتساوى فيها الرؤوس، ولا ينبغي لها أن تتساوى. دولة لا تضع “الكافر” في منزلة “المسلم”.

إجابتنا على هذا ستحدد لنا في أي عصر نعيش. ستحدد لنا الحقيقة من منطلق الأمر الواقع وليس بموجب الأحلام والتمنيات. على الأقل ستريحنا من عناء الكلام والادعاء بأننا نريد أن نكون دولة حديثة، وأن سعينا إلى التقدم.

لكنها أيضا ستعرفنا في أي جانب يقف رجال الدين، على اختلاف مظاهرهم، واختلاف مسمياتهم. هذا أيضا سيريحنا من الادعاء بأن الدين على نسخته الحالية دافع إلى التقدم، تلك الجملة التي نرددها بلا تفكير وكأنها فرض علينا. الحقيقة أن الدين على نسخته الحالية يقف في طريق إقامة دولة حديثة. في اقتصادها، وفي سياستها الخارجية، وفي قوانينها، وفي العلاقات بين مواطنيها. هذه الأخيرة ضربت عليها مثلا بسيطا اليوم، في تصريح بسيط من شيخ واحد، لكنه يعبر عن انشقاق مجتمع. والمجتمع المتشقق لا يقوى على البقاء، فضلا عن التقدم. الموضوع أكبر من تصريحات سالم عبد الجليل.

مقالي الأسبوعي في جريدة المقال: الأحد ١٥ مايو ٢٠١٧

اقرأ أيضا: 

صلاح الدين الأيوبي .. وترويض الذمي الصالح

About khaledalberry (93 Articles)
إعلامي عمل في بي بي سي ١٢ سنة، راديو وتليفزيون وديجيتال ميديا bbcarabic.com . راسل صحفيا من ١٣ دولة. كان مديرا مناوبا لمكتب بي بي سي عربي في العراق بعد حرب العراق. . راسل بي بي سي من حيفا وجنوب لبنان في حرب تموز /يوليو ٢٠٠٦ .شارك في تأسيس دوت مصر ورأس تحريرها . أصدر أربعة كتب هي الدنيا أجمل من الجنة، ونيجاتيف ورقصة شرقية (القائمة القصيرة للبوكر العربية) والعهد الجديد. له كتابان قيد النشر هما "الأمية المقدسة" و "انفصام شخصية مصر". . حاصل على بكالوريوس الطب والجراحة من كلية الطب جامعة القاهرة

أهلا وسهلا برأيك

%d bloggers like this: